top of page
trans logo.png

هل انتهى عصر العولمة فعلاً؟ العالم يتجه نحو الانغلاق، والاكتفاء الذاتي يتصدر المشهد.

  • صورة الكاتب: AbduLrhman Al-Smail
    AbduLrhman Al-Smail
  • 22 ديسمبر 2025
  • 6 دقيقة قراءة

مقدمة: نهاية عصر العولمة السلسة

لطالما رُوّج للعولمة كطريق ذهبي نحو الرخاء المشترك، حيث تتخصص كل دولة فيما تجيده، وتتبادل المنافع في سوق عالمية مفتوحة. لكن الواقع الجيوسياسي الحالي يروي قصة مختلفة تمامًا: سلاسل إمداد معطّلة، حروب تجارية متصاعدة، وعقوبات اقتصادية تُستخدم كأسلحة سياسية. لم تعد كفاءة السوق هي المعيار الوحيد، بل أصبحت السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي على رأس أولويات صانعي القرار.

في هذا السياق المتحول، تبرز استراتيجية السعودية للاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي ليس كخيار اقتصادي تقليدي، بل كضرورة وجودية في عالم يتجه نحو التشظّي والاستقطاب.

السيناريوهات المحتملة: قراءة في مستقبل النظام الاقتصادي العالمي (2035-2045)

السيناريو الأول: الانفصال الاقتصادي العميق (Economic Decoupling)

الملامح الرئيسية:

لن يكون الانفصال مجرد حرب تعريفات جمركية، بل إعادة تشكيل جذرية للبنية الاقتصادية العالمية. ستنقسم التجارة الدولية إلى كتل متنافسة، كل منها تبني نظامها الخاص من المعايير التقنية، وبروتوكولات التبادل المالي، وحتى شبكات الإنترنت والاتصالات. التقنيات الحساسة مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية ستصبح خطوط فصل جديدة بين المعسكرات.

المؤشرات الحالية:

  • قانون الرقائق الأمريكي (CHIPS Act) وقيود تصدير التقنية المتقدمة للصين

  • مبادرة "الحزام والطريق" الصينية كبديل للمؤسسات الغربية

  • تزايد استخدام العقوبات المالية والتقنية كأدوات سياسية

  • إعادة تموضع سلاسل الإمداد تحت عنوان "Friend-shoring"

الاحتمالية: 30-40%

التداعيات على الدول النامية:

  • ارتفاع تكاليف الواردات بنسبة 15-25%

  • تضخم هيكلي في السلع الاستراتيجية

  • ضغوط للانحياز لأحد المعسكرين مع فقدان مرونة المناورة

  • ضرورة بناء قدرات ذاتية لتجنب التبعية المطلقة

ما تقوله المؤسسات الدولية: يحذر صندوق النقد الدولي من أن تجزئة الاقتصاد العالمي قد تكلف العالم خسائر في الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 7% على المدى الطويل، مع تأثير أكبر على الدول المتوسطة والصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية.

السيناريو الثاني: الأزمات المتتالية (Cascading Crises)

الملامح الرئيسية:

لن تكون أزمة واحدة كبيرة، بل سلسلة من الصدمات المتداخلة والمتفاعلة: أزمات مالية ناتجة عن مديونية مفرطة، اضطرابات مناخية تضرب الإنتاج الغذائي، صراعات إقليمية تعطّل ممرات التجارة، وأوبئة جديدة تكشف هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. كل أزمة تضخّم الأخرى، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار المزمن.

الأمثلة التاريخية القريبة:

  • أزمة COVID-19 التي كشفت الاعتماد المفرط على مصادر إنتاج واحدة

  • أزمة الطاقة الأوروبية 2022 بعد الحرب الروسية-الأوكرانية

  • أزمات سلاسل الإمداد في أشباه الموصلات وتأثيرها على صناعة السيارات

الاحتمالية: 15-25%

التداعيات:

  • تقلبات حادة وغير متوقعة في أسعار الطاقة والغذاء والمواد الخام

  • تسارع التضخم مع صعوبة السيطرة عليه بالأدوات التقليدية

  • تآكل الثقة في الأسواق المالية العالمية

  • تدخل حكومي موسّع لحماية القطاعات الحيوية

  • أولوية قصوى للأمن الغذائي والطاقوي على حساب الكفاءة الاقتصادية

التحول في الأولويات: تؤكد تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي أن هذا السيناريو يفرض تحولاً جذرياً في فلسفة صنع القرار الاقتصادي: من "الكفاءة أولاً" (Efficiency First) إلى "المرونة أولاً" (Resilience First). لم يعد السؤال "ما الأرخص؟" بل "ما الأكثر أماناً واستدامة؟"

الاستجابة السعودية: من التنويع إلى السيادة الصناعية

فلسفة جديدة للتنمية

استراتيجية السعودية للاكتفاء الذاتي ليست محاولة للانغلاق أو العودة لنماذج الاقتصاد المغلق الفاشلة تاريخياً. بل هي نموذج هجين ذكي يجمع بين:

  • الانفتاح الانتقائي: المشاركة في التجارة العالمية ولكن من موقع قوة لا ضعف

  • السيادة في القطاعات الحرجة: امتلاك القدرات الأساسية في المجالات الاستراتيجية

  • التنويع الجغرافي: عدم الاعتماد على مصدر واحد أو سوق واحدة

المحاور الاستراتيجية: من الرؤية إلى التنفيذ

المحور الأول: إعادة تصميم سلاسل القيمة الوطنية

ما وراء "صنع في السعودية":

لا تكتفي الاستراتيجية السعودية بجذب مصانع التجميع النهائي، بل تستهدف امتلاك مفاصل سلسلة القيمة بالكامل:

  1. التحكم في المواد الأولية: استغلال الميزة التنافسية في الطاقة والبتروكيماويات والمعادن

  2. تصنيع المكونات الوسيطة: تطوير قاعدة صناعية محلية لإنتاج القطع والمكونات

  3. التصنيع النهائي المتقدم: استقطاب وتطوير صناعات ذات قيمة مضافة عالية

  4. الاعتماد والجودة: بناء أنظمة وطنية للمعايير والاختبار والجودة

  5. الاستهلاك المحلي المضمون: استخدام المشتريات الحكومية كمحرك أساسي للطلب

  6. التصدير الاستراتيجي: الوصول للأسواق الإقليمية والدولية من موقع متميز

مثال تطبيقي: قطاع البتروكيماويات:

  • المرحلة الأولى: تصدير النفط والغاز الخام

  • المرحلة الثانية: إنتاج البتروكيماويات الأساسية (إيثيلين، بروبيلين)

  • المرحلة الثالثة: إنتاج اللدائن والبوليمرات

  • المرحلة الرابعة: صناعات التحويل (عبوات، أنابيب، مكونات)

  • المرحلة الخامسة: المنتجات النهائية المتخصصة

المحور الثاني: أدوات التنفيذ العملية

1. المحتوى المحلي الإلزامي في المشتريات العامة

التطور من التحفيز إلى الإلزام:

لم تعد نسب المحتوى المحلي مجرد امتيازات إضافية في المناقصات، بل أصبحت متطلبات إلزامية تتصاعد تدريجياً. النموذج السعودي يعتمد على:

  • نسب متدرجة: البدء بنسب معقولة ثم رفعها تدريجياً مع نمو القدرات المحلية

  • قياس دقيق: تعريف واضح للمحتوى المحلي يتجاوز التجميع الشكلي

  • حوافز ملموسة: تفضيل سعري للعروض ذات المحتوى المحلي الأعلى

  • عقوبات رادعة: جزاءات على التلاعب أو الادعاءات الكاذبة

  • مرونة انتقالية: استثناءات محدودة للتقنيات غير المتوفرة محلياً مع خطة زمنية لتوطينها

2. توطين سلاسل التوريد للشركات الكبرى

الشركات الوطنية كمحركات للطلب:

أرامكو، سابك، معادن، وغيرها من الشركات الكبرى لا تُعتبر فقط مصادر للإيرادات، بل منصات لتطوير الصناعة المحلية. برامجها للتوطين تخلق:

  • طلباً مستداماً وطويل الأجل للموردين المحليين

  • معايير عالية تدفع الصناعة المحلية للتطور

  • شراكات تقنية مع موردين عالميين بشرط نقل المعرفة

  • فرص للشركات الصغيرة والمتوسطة للنمو والتوسع

مثال: برنامج أرامكو لتطوير الموردين (IKTVA): هدف البرنامج رفع نسبة المحتوى المحلي في قطاع النفط والغاز إلى 70% بحلول 2025، مع التركيز على:

  • نقل التقنية والمعرفة، ليس فقط التجميع

  • خلق وظائف نوعية ومستدامة

  • تطوير قاعدة صناعية قادرة على المنافسة إقليمياً

3. الحوافز والتمويل الموجّه

تجاوز الدعم التقليدي:

النموذج السعودي يربط الحوافز بالتأثير الحقيقي، مع التركيز على:

  • التوطين النوعي: دعم المشاريع التي تنقل تقنية متقدمة أو تخلق قيمة مضافة عالية

  • التوظيف الوطني: ربط الحوافز بنسب توظيف وتدريب السعوديين

  • الاستدامة المالية: تقييم المشاريع على قدرتها على الاستمرار بعد انتهاء الدعم

  • الأثر السلسلي: تفضيل المشاريع التي تخلق فرصاً لمشاريع أخرى حولها

  • التصدير المحتمل: منح أولوية للصناعات القادرة على المنافسة دولياً

المحور الثالث: القطاعات ذات الأولوية السيادية

1. الدفاع والصناعات العسكرية

من الاستيراد إلى التصنيع المحلي:

مع ميزانية دفاعية تتجاوز 75 مليار دولار سنوياً، تمتلك السعودية رافعة ضخمة لبناء صناعة دفاعية محلية. الاستراتيجية تتجاوز مفهوم "التوطين التقليدي" إلى:

المراحل:

  • القريبة (2025-2030): الصيانة والدعم اللوجستي، إنتاج الذخائر والمعدات البسيطة

  • المتوسطة (2030-2035): التصنيع المشترك للمركبات المدرعة، الطائرات المسيّرة، الأنظمة الإلكترونية

  • البعيدة (2035+): تطوير منظومات دفاعية متكاملة بتقنية محلية

الأهمية الاستراتيجية:

  • تقليل التبعية لمصدر واحد في المعدات الحرجة

  • القدرة على الصيانة والتشغيل المستمر دون قيود خارجية

  • إنشاء قاعدة تقنية متقدمة تنعكس على قطاعات أخرى

  • خلق آلاف الوظائف النوعية

2. الدواء والتقنيات الحيوية

الأمن الصحي كأولوية وطنية:

كشفت جائحة COVID-19 مدى الخطر الناتج عن الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد في القطاع الصحي. الاستراتيجية السعودية تعتمد على:

مراحل التطور:

  1. التعبئة والتغليف المحلي: نقطة البداية الأقل تعقيداً

  2. إنتاج الأدوية الجنيسة: تصنيع الأدوية منتهية براءة الاختراع

  3. المواد الفعالة (APIs): إنتاج المكونات النشطة، لا مجرد التعبئة

  4. الأدوية الحيوية: الاستثمار في التقنيات المتقدمة

  5. البحث والتطوير: تطوير أدوية جديدة وحلول محلية لأمراض منتشرة

الفرص الخاصة:

  • موقع جغرافي يربط الأسواق الأوروبية والآسيوية والأفريقية

  • طلب محلي كبير ومتنامٍ مع شيخوخة السكان

  • قدرة على التوسع للسوق الخليجي والعربي (400 مليون نسمة)

3. الأمن الغذائي الذكي

الاكتفاء الواقعي لا الكامل:

تعلمت السعودية من تجربة زراعة القمح في الثمانينات أن الاكتفاء الذاتي الكامل قد يكون مكلفاً وغير فعّال. الاستراتيجية الجديدة أذكى:

استراتيجية هجينة:

  • إنتاج محلي مكثّف: للمنتجات التي تتناسب مع البيئة المحلية (تمور، خضروات دفيئة، إنتاج حيواني محدود)

  • الزراعة المائية والعمودية: تقنيات حديثة تقلل استهلاك المياه بنسبة 90%

  • تنويع مصادر الاستيراد: تأمين علاقات طويلة الأجل مع منتجين متعددين

  • استثمارات خارجية: شراء أراضٍ وشركات زراعية في دول صديقة

  • مخزون استراتيجي: احتياطيات تكفي لـ 6-12 شهراً من السلع الأساسية

4. المعادن الحرجة وصناعات المستقبل

المعادن كبوابة للثورة الصناعية القادمة:

المملكة تمتلك احتياطيات ضخمة من معادن نادرة وحرجة تشكل العمود الفقري لصناعات المستقبل:

المعادن الاستراتيجية:

  • الليثيوم والنحاس: لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية

  • المعادن النادرة: للمغناطيسات الدائمة والإلكترونيات المتقدمة

  • الفوسفات: للأسمدة والكيماويات

  • البوكسيت والألمنيوم: للصناعات الخفيفة والطيران

القيمة المضافة المحلية: لا تكتفي السعودية بتصدير الخامات، بل تستهدف:

  • إنشاء مصافي محلية للمعادن

  • تطوير صناعات تحويلية (بطاريات، مكونات إلكترونية)

  • جذب مصنعي السيارات الكهربائية والتقنية

  • بناء نظام بيئي متكامل من المنجم إلى المنتج النهائي

لماذا تنجح هذه الاستراتيجية في سيناريوهات 2035-2045؟

في سيناريو الانفصال الاقتصادي:

مزايا الاستقلالية:

  • القدرة على المناورة بين المعسكرات دون ضغوط وجودية

  • تجنب أن تكون ورقة مساومة في صراعات الآخرين

  • الاحتفاظ بعلاقات تجارية متنوعة دون اضطرار للانحياز الكامل

  • امتلاك سلع وخدمات يحتاجها الجميع (طاقة، معادن، أدوية)

في سيناريو الأزمات المتتالية:

المرونة والصلابة:

  • قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية دون انهيار داخلي

  • استقرار أسعار السلع الأساسية محلياً

  • تجنب الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن نقص حاد

  • القدرة على مساعدة الحلفاء والجيران في أوقات الأزمات

في كلا السيناريوهين:

  • خفض علاوة المخاطر: تقليل تكلفة التمويل والاستثمار

  • السيطرة على التضخم: إنتاج محلي يعني استقرار أفضل للأسعار

  • الاستقرار الاجتماعي: وظائف وأمن اقتصادي يحفظان التماسك الداخلي

  • نفوذ جيوسياسي: القدرة على استخدام الموارد والقدرات كأدوات دبلوماسية

التحديات والمخاطر: نظرة واقعية

التحديات التقنية والبشرية:

  1. فجوة المهارات: نقص الكفاءات التقنية المحلية يتطلب استثماراً ضخماً في التعليم والتدريب

  2. تكلفة التعلم: المراحل الأولى قد تكون مكلفة وغير فعالة

  3. المنافسة العالمية: مواجهة منتجين راسخين بعقود من الخبرة

  4. حماية الملكية الفكرية: ضرورة بناء أنظمة قانونية قوية لجذب التقنية

المخاطر الاقتصادية:

  1. تكلفة الفرصة البديلة: الأموال المستثمرة في التوطين قد تُستخدم في مجالات أخرى

  2. خطر الحمائية المفرطة: قد تؤدي لجودة أقل وأسعار أعلى للمستهلك

  3. الاعتماد على الإنفاق الحكومي: خطر عدم الاستدامة إذا لم تصبح الصناعات قادرة على المنافسة

  4. رد فعل الشركاء التجاريين: احتمال اعتبار السياسات حمائية وفرض إجراءات مضادة

كيفية التخفيف من المخاطر:

  • الواقعية في الأهداف: التركيز على القطاعات ذات الميزة التنافسية المحتملة

  • الانفتاح المحسوب: عدم الانغلاق الكامل والاستمرار في المشاركة العالمية

  • المعايير الدولية: الالتزام بمعايير الجودة والكفاءة العالمية

  • المراجعة الدورية: تقييم مستمر للسياسات وتعديلها حسب النتائج

الخلاصة: رهان استراتيجي على مستقبل أقل استقراراً

السعودية لا تراهن على نهاية العولمة، بل تستعد لتحولها من نموذج أحادي القطب إلى نموذج متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ. الاكتفاء الذاتي والتصنيع المحلي ليسا تراجعاً عن الانفتاح، بل إعادة تعريف له من موقع قوة لا ضعف.

الدرس المحوري: في عالم يتسم بعدم اليقين، القدرة على الوقوف بثبات أهم من السرعة في الجري. الدول التي تبني قدراتها الذاتية اليوم، تشتري لنفسها خيارات استراتيجية قد لا تكون متاحة للآخرين غداً.

المقياس الحقيقي للنجاح في 2035-2045: لن يُقاس بحجم التجارة الخارجية أو درجة الانفتاح، بل بالقدرة على الاستمرار والازدهار حتى عندما ينغلق العالم من حولك.

"في عصر الاضطرابات، السيادة الاقتصادية ليست رفاهية، بل شرط للبقاء."

تعليقات


bottom of page